إسلام المدهون/ جنيف للعدالة

كانت بداية فكرة حظر الفصل العنصري "الأبرتهايد" في القانون الدولي لحقوق الإنسان من اتجاهين أساسيين، الأول حظر التمييز على أساس العرق كمبدأ من مبادئ الأمم المتحدة الذي تكرس فيما بعد في اتفاقيات اعتبرت الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، والثاني رفض النظام العنصري الذي حكم جمهورية جنوب إفريقيا والذي لاقى محاربة دولية وضغط دولي حتى سقط عام 1995.

يستخدم مصطلح "الأبرتهايد الإسرائيلي" عادة لوصف العنف والفصل العنصري المكرسين في المؤسسات الإسرائيلية، حيث إن الأبرتهايد هو نظام معقد قائم على ممارسات العنف والطرد والفصل على أسس عرقية، وكما تعلّم النظام في جنوب إفريقيا ذا الأصول الأوروبية من نظام المحميات الكندي في مطلع القرن العشرين، فإن إسرائيل تتبع نهجا مماثلا يذكرنا بجنوب إفريقيا في عهد الأبرتهايد. فقد أنشأت دولة إسرائيل في عام 1948، وهو نفس العام الذي تم فيه تطبيق نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وفي الستينيات تطور تحالف سياسي وعسكري بين البلدين، وتعمق في أعقاب الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية الفلسطينية، وغزة، والقدس الشرقية، ومرتفعات الجولان السورية، في حرب حزيران / يونيو 1967.

ورغم أوجه التشابه والتاريخ المشترك بين نظامي الفصل العنصري في إسرائيل وجنوب إفريقيا، إلا أن ثمة فروق بارزة بين النظامين، ولكن نظرا للدعم الكبير الذي قدمته إسرائيل لجنوب إفريقيا وقت الأبرتهايد والتشابه القوي بين السياسات الجنوب إفريقية العنصرية والسياسات الإسرائيلية في الزمن الحاضر، فإنه من المنطقي أن تشكل التجربة الجنوب إفريقية منطلقا للتحليلات والمقارنات التي تتناول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. لذلك فإن هذه الورقة تفترض أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الجدار الفاصل 2004 يمثل خطوة إلى الوراء في فقه محكمة العدل الدولية مقارنة برأيها الاستشاري في قضية ناميبيا 1971 خصوصا وأن الجدار الفاصل يمثل مظهرا ماديا للفصل العنصري.

نتيجةً للضغط الشديد الذي مارسه المجتمع الدولي في حالة جنوب إفريقيا والذي أدى إلى نهاية نظام الفصل العنصري، تجدر الإشارة إلى التطور الذي لحق فقه محكمة العدل الدولية في قرارها الاستشاري في قضية ناميبيا المؤرخ في 21 يونيو 1971، والذي تناولت فيه المحكمة قانونية استمرار وجود جنوب افريقيا في ناميبيا، حيث خالفت جنوب إفريقيا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي دعا إلى انسحابها، فبعد أن أخذت المحكمة بعين الاعتبار السياسات التي مارستها دولة جنوب افريقيا في ناميبيا والقائمة على الفصل العنصري: "التقييد والتضييق والتمييز والاستبعاد، على أساس اللون أو العرق أو الأصل القومي أو النسب في حرمان واضح من الحقوق الأساسية، وفي انتهاك فاضح لمقاصد ومبادئ الميثاق"، خلصت المحكمة إلى أن الوجود المستمر لجنوب افريقيا في ناميبيا غير قانوني، كما ألزمت جنوب افريقيا بسحب إدارتها فورا وبالتالي عليها إنهاء احتلالها لأراضي ناميبيا.

في المقابل فإن المجتمع الدولي يبدو مستعدًا لدعم "قيام الدولة" دون تصدّي جدّي للأبرتهايد الإسرائيلي، لكن تلبية لطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 3/12/2003، فقد تناولت محكمة العدل الدولية بعضا من أوجه ممارسات إسرائيل كقوة تمارس الاحتلال من خلال رأيها الاستشاري المؤرخ في 9 يوليو 2004 بخصوص التبعات القانونية لإنشاء جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد خلصت المحكمة إلى أن بناء الجدار مخالف للقانون الدولي كما خلصت إلى أن إسرائيل ملزمة بإنهاء الوضع غير القانوني ووقف البناء وتفكيك الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبجبر جميع الأضرار الناتجة عن بناء الجدار. وخلافا لرأيها في قضية ناميبيا لم تتعرض إلى قانونية وشرعية وجود الاحتلال الإسرائيلي وتشكيله لنظام فصل عنصري.

فما مدى ارتكاب إسرائيل لجريمة الفصل العنصري؟ وهل الجدار الفاصل يمثل تمظهرا ماديا لجريمة الفصل العنصري؟ وهل الرأي الاستشاري بخصوص قضية الجدار 2004 يمثل خطوة إلى الوراء في فقه محكمة العدل الدولية مقارنة برأيها الاستشاري في قضية ناميبيا 1971؟

اضغط على الصورة للتقرير الكامل:


اشترك في القائمة البريدية
الرجاء اضافة البريد الإلكتروني الخاص بكم في الحقل أدناه للحصول على النشرة الإخبارية الخاصة بمركز جنيف الدولي للعدالة